الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
30
حكم الأضحية في عصرنا
غيره في البرّ » « 1 » فإنّ جميعها تشهد على أنّ المقصود من الإسراف في الحج إنّما هو هذا القبيل من الصلات والإنفاقات والهدايا « 2 » لا إحراق ملايين من الشياه والبقر والإبل . وثالثاً : يشهد لما ذكرنا ما ورد في ذيل نفس الرواية المبحوث فيها فإنّ قوله « فرحم اللَّه مؤمناً اكتسب طيّباً وأنفق من قصد أو قدّم فضلًا » يقتضي دوران أمر نفقات الحاجّ بين القصد وتقديم الفضل ، والأوّل هو ملاحظة الاعتدال ، والثاني هو بسط اليد والبذل ، لا إلقاء النعم الإلهية في المزابل أو دفنها وإحراقها . ورابعاً : أضف إلى ذلك كلّه أنّ محل الكلام هو من مصاديق التبذير لا الإسراف ، فإنّ الفرق بينهما - كما مرّ - أنّ الإسراف هو الخروج عن حدّ الاعتدال من دون تضييع ، والتبذير ما يؤدي إلى التضييع والإفساد . النّسبة بين حكم الأضحية وحرمة الإسراف والتّبذير إذا عرفت هذا ، فيأتي الكلام في أنّه ما هي النسبة بين الدليلين : دليل وجوب الأضحية ، ودليل حرمة التبذير أو الإسراف ؟ فإن قلنا : إنّ دليل وجوب الأضحية لا إطلاق له بالنسبة إلى المصاديق
--> ( 1 ) - الباب 27 من أبواب وجوب الحج ، الحديث 1 . ( 2 ) - ومن الطريف جداً أنّ المستفاد من بعض الروايات كون تهيئة الهدايا وإكثار النفقة في الحج أيضاً محدود بحدود وقيود ، فقد روي عن شهاب بن عبد ربّه أنّه قال : « قلت لأبي عبد اللَّه ( ع ) قد عرفت حالي وسعة يدي وتوسّعي على إخواني فأصحب النفر منهم في طريق مكّة فأوسّع عليهم ، قال : لا تفعل يا شهاب ، إن بسطت وبسطوا أجحفت بهم ، وإن هم أمسكوا أذللتهم ، فأصحب نظراء ك أصحب نظراءك » ( أبواب آداب السفر الباب 33 ، الحديث 1 ) .